فخر الدين الرازي
214
المطالب العالية من العلم الإلهي
هذا الفرض وجب أن لا يلزم المحال . إلا أن المحال لازم لا محالة ، لأن عند ذلك الفرض ، إذا فرضنا حيوانا واقفا [ على طرف العالم « 1 » ] فإما أن يتميز الجانب الذي يلي وجهه عن الجانب الذي يلي قفاه ، وإما أن لا يتميز . والقسم الثاني مدفوع في بديهة العقل . لأن فطرة النفس شاهدة بأن على جميع التقديرات ، فإنه لا بد وأن يتميز الجانب الأيمن عن الجانب الأيسر ، والجانب الذي يحاذي « 2 » الوجه ، عن الجانب الذي يحاذي القفا . والقول بأنه تحصل حالة لا يحصل معها هذا الامتياز ، مما لا يقبله العقل ، وإذا ثبت حصول هذا الامتياز ، فقد حصلت الأبعاد الممتدة طولا وعرضا وعمقا . فيثبت : أن هذه الأبعاد موجودة ، وأنها غير قابلة للعدم البتة ، فكانت واجبة الوجود لذواتها . فإن قيل : الكلام على هذا التقدير من وجهين : الوجه « 3 » الأول : وهو قول الحكماء : وهو أن الأبعاد متناهية ، وخارج العالم لا خلاء ولا ملاء . وقولكم : بأن الواقف على طرف العالم ، لا بد وأن يتميز فوقه عن تحته ، ويمينه عن شماله . فنقول : هذا الحكم وإن كان ضروري الثبوت في فطرة النفس ، إلا أنه حكم الوهم والخيال [ وحكم الوهم والخيال « 4 » ] قد يكون كاذبا غير ملتفت إليه فيثبت : أن هذا الحكم ، وإن كان واجب الثبوت في فطرة النفس ، إلا أنه غير مقبول . والوجه الثاني : وهو قول المتكلمين : وهو أن الامتياز في هذه الأحياز ، وفي هذه الجهات أمر حاصل لا يمكن إنكاره . إلا أن هذه الأحياز أشياء يفرضها العقل ، ويقدرها الوهم ، وليس لها في نفسها وجود ولا ثبوت . والدليل عليه : وهو أنه لا معنى لهذا الشيء ، إلا أنه خلاء خالي ، وفضاء لم يحصل فيه شيء من الأجسام . فهذا عدم محض ، ونفي صرف ،
--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) يلي ( ت ) ( 3 ) زيادة ( 4 ) من ( ت )